في عام 1976، اختار ستيف جوبز اسمًا لشركته.
بحسب روايات مختلفة، ادعى جوبز أنه اختار الاسم بناءً على تجاربه في بستان بولاية أوريغون ونظامه الغذائي النباتي القائم على الفاكهة. كان جوبز معجب بفرقة البيتلز، وكان يعرف أن شركتهم تحمل اسم Apple Corps منذ 1968. وكان زميله ستيف وزنياك قد نبهه إلى هذا التعارض قبل أن يُسجل الاسم.
جوبز سمع التحذير وأكمل. ربما ظن أن شركة موسيقية وشركة كمبيوتر لن تلتقيا أبدًا. وكان مخطئًا، لكن الأصح أنه ربما كان يعرف أنهما ستلتقيان، وقرر أن يبني شركته أولًا ويفكر في الاصطدام لاحقا.
البيتلز وآبل: ثلاثون عاما على اسم واحد
في 1978، بعد عامين فقط من تأسيس آبل كمبيوتر، وصل خطاب قانوني من لندن.
Apple Corps، شركة البيتلز التي تأسست عام 1968 ترى أن الاسم والشعار يتعارضان مع علامتها المسجلة. المطالبة كانت واضحة: توقفوا أو ادفعوا.
دفعت آبل. 80 ألف دولار في 1981، واتفقت على شرط واحد: لن تدخل آبل كمبيوتر أبدا في عالم الموسيقى.
بدا الاتفاق منطقيا. شركة كمبيوتر وشركة موسيقى، عالمان منفصلان لن يلتقيا.
ثم اخترعت آبل الماكنتوش. وأضافت إليه دعم للصوت وتقنية MIDI. وعاد الخطاب القانوني من لندن من جديد.
دفعت آبل مرة أخرى، هذه المرة 26.5 مليون دولار في 1991. واتفاق جديد يرسم خطا أوضح: آبل كمبيوتر تستطيع استخدام الاسم في الحوسبة والاتصالات، لكن ليس في الموسيقى. ليس في المنتجات الموسيقية. ليس في توزيع المحتوى الموسيقي.
وفي خضم تلك المعارك القانونية، كان مطور في آبل يعمل على تحديث نظام التشغيل System 7 ويريد إضافة مؤثر صوتي جديد. أراد تسميته Chimes، لكن فريق القانونيين رفض الاسم لأنه يبدو موسيقيا أكثر من اللازم وقد يُغضب Apple Corps. ابتسم المطور(جيم ريكس) وسمى المؤثر الصوتي Sosumi، وهي تلاعب لفظي بعبارة “So sue me”، أي: إذاً قاضِني. مرت على القانونيين لأنها بدت مجرد كلمة يابانية.
ثم جاء عام 2001 وجاء معه الـ iPod والـ iTunes.
آبل كوربس نظرت إلى ما بنته آبل وقالت: هذا بالضبط ما اتفقنا أنك لن تفعله.
القضية وصلت إلى المحكمة العليا في لندن عام 2006. القاضي قرر لصالح آبل كمبيوتر: الشعار على iTunes مرتبط بالبرنامج لا بالموسيقى التي يحتويها إذن ليس هناك انتهاك.
في فبراير 2007، أعلنت الشركتان تسوية كاملة. اشترت آبل كل حقوق العلامة التجارية المرتبطة بالاسم والشعار، وأعادت ترخيص بعضها لـ Apple Corps لاستخدامها. الرقم لم يُعلن رسميا لكن التقديرات أشارت إلى 500 مليون دولار.
ما جعل هذه التسوية استثنائية ليس رقمها وحده بل طبيعتها. لأول مرة في تاريخ النزاعات حول العلامات التجارية، اشترت شركة حقوق اسمها من شركة أخرى تشاركها إياه. لم تُلزم بتغيير الاسم، ولم تتنازل عن منتج بل دفعت لتملك الحق في اسمها كاملا وأعادت جزء منه لصاحبه الأصلي بموجب ترخيص، كانت سابقة من نوعها في عالم الملكية الفكرية والعلامات التجارية.
لكن آبل كانت قد انتهت لتوها من معركة، وبدأت بعدها معركة أكبر بكثير.
سامسونغ وآبل
في أبريل 2011، فتحت آبل ملف قضية في محكمة كاليفورنيا.
الاتهام كان مباشر وصريح: سامسونغ نسخت تصاميمنا.
ليس مجرد فكرة وليس مجرد تصميم عام. بل نسخت تفاصيل محددة مثل الزوايا المدورة، الشاشة الأمامية المستطيلة، شبكة الأيقونات الملونة، حركة الضغط المزدوج للتكبير، تأثير الارتداد عند نهاية القائمة وميزة الانزلاق لفتح الهاتف.
كل هذه التفاصيل كانت محمية ببراءات اختراع، آبل ادعت أن سامسونغ أخذتها كلها معا بعلم مسبق وبقصد واضح.
سامسونغ ردت بأن التصاميم المستطيلة موجودة قبل الآيفون، وأن ميزات اللمس لم تكن حكرا على أحد. ثم قلبت الطاولة وقاضت آبل بدورها بانتهاك براءات اختراعها في تقنيات الاتصال اللاسلكي.
لكن ثمة سؤال يطرحه المنصفون من الطرفين: إذا كانت هذه الميزات بسيطة وبديهية كما ادّعت سامسونغ، فلماذا لم تخترعها سامسونغ أو أي شركة أخرى قبل الآيفون؟
ولفهم لماذا سجلت آبل براءات اختراع لكل تفصيلة صغيرة في الآيفون والآيباد، يجب العودة خطوة إلى الوراء. آبل مرت بهذا من قبل. في ثمانينيات القرن الماضي، حين أطلقت الماكنتوش ورأت ماذا فعل ويندوز بتصاميمها وأفكارها. في عام 1988، رفعت آبل دعوى ضد مايكروسوفت بزعم أن Windows 2.0 ينتهك واجهة ماك الرسومية، لكن المحاكم حكمت لصالح مايكروسوفت إلى حد كبير، واعتبرت أن عناصر الواجهة الرسومية لا يمكن حمايتها بحقوق النشر. لذلك آبل تعلمت درساً لم تنسه. حين أطلقت الآيفون عام 2007، لم تكن تريد أن يتكرر المشهد نفسه في عالم الهواتف. لذلك سجلت براءة اختراع لكل ما اعتبرته جوهريا في تجربة الاستخدام، حتى قبل أن تعرف إن كانت البراءة ستُمنح لها أم لا. كان استثمارًا مبنيًا على ذاكرة لا تنسى.
في أغسطس 2012، صدر الحكم.
هيئة المحلفين قررت أن سامسونغ انتهكت براءات اختراع آبل بشكل متعمد. المبلغ المحكوم به: أكثر من مليار دولار. كانت أكبر تعويضات براءة اختراع في التاريخ الأمريكي حتى ذلك الوقت.
لكن القضية لم تنته هناك.
سامسونغ استأنفت وتم تخفيض المبلغ للنصف تقريبا -548 مليون دولار- ثم استُؤنف مجددا. ثم وصل الأمر إلى المحكمة العليا الأمريكية عام 2016، التي قررت بالإجماع إعادة النظر في طريقة احتساب التعويضات. المسألة كانت جوهرية: هل يُحتسب التعويض على المنتج كاملا أم على المكون المنتهك فقط؟ قررت المحكمة أن الأخير هو الأصح. وهذا القرار وحده أعاد رسم قواعد براءات تصميم الأجهزة التقنية في أمريكا وخارجها.
سبع سنوات من المحاكم. عشرون قضية في عشر دول. مئات آلاف الدولارات في رسوم المحامين.
أثرت هذه القضية بشكل كبير على استراتيجية الملكية الفكرية في صناعة التكنولوجيا.
وفي يونيو 2018، توصلت الشركتان إلى تسوية سرية أنهت كل شيء، لا أحد يعرف الرقم النهائي. لكن الجميع يعرف أن آبل أثبتت شيئا واحد لكل شركة تقنية في العالم: التصميم ليس زينة، التصميم ملكية فكرية وسرقته لها ثمن.
ماذا تقول آبل عن نفسها بكل هذا؟
طرفان مختلفان تماما، ثلاثون عام في الأولى، سبع سنوات -في عشر دول- في الثانية.
مع البيتلز، دخلت آبل في اتفاقية واضحة ثم انتهكتها مرتين. مرة بإضافة قدرات صوتية للماكنتوش، ومرة بإطلاق iTunes. في المرتين دفعت لأن القانون كان ضدها. لكنها في كل مرة دفعت وأكملت ولم تتراجع. قوتها لم تكن في كونها محقة بل في كونها لم تتوقف.
مع سامسونغ، كانت الصورة أوضح. التصميم كان محمي والنسخ كان موثق. وحكم المليار دولار جاء من هيئة محلفين أمريكية وجدت أن سامسونغ تصرفت بعلم مسبق لكن المحكمة العليا لاحقا قلصت المبلغ لأن القانون لا يسمح بمعاقبة شركة على منتج كامل بسبب انتهاك جزء منه، آبل كسبت المبدأ وخسرت بعض من التعويضات.
ما تقوله آبل عن نفسها بكل هذا أنها شركة تعرف بدقة ما تريد وتسير نحوه بثبات بغض النظرعمن يقف في الطريق. مع البيتلز اشترت في النهاية ما كانت تستخدمه مجانا ومع سامسونغ رسمت حدود قانونية لم تكن موجودة قبلها في عالم تصميم الأجهزة.
التسوية الأولى كانت الأقوى في طبيعتها: شركة تشتري حقوق اسمها من شركة تسبقها وتشاركها إياه، سابقة لم تحدث من قبل ولم تتكرر بعدها.
والثانية كانت الأقوى في حجمها: مليار دولار في حكم واحد، وتسوية سرية أنهت أكبر صراع براءات اختراع في تاريخ صناعة الهواتف.
وما يربط هاتين القضيتين ليس القانون وحده. بل التصميم.
الاسم الذي اختاره جوبز، الشعار الذي رسمه، الزوايا المدورة، الأيقونات على الشاشة، قرارات تصميمية بدت في يوم ما مجرد اختيارات جمالية، ثم وجدت نفسها في قلب أكبر معارك الملكية الفكرية.
التصميم لا يعيش في فراغ، بل يعيش في سياق قانوني وتجاري وثقافي. وأي علامة تجارية تبنى بعيدا عن هذا الوعي قد تكون جميلة، لكنها لن تكون محمية. والتفاحة التي لا تدافع عن نفسها، تُؤكل.







👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻